اسماعيل بن محمد القونوي

194

حاشية القونوى على تفسير الإمام البيضاوى ومعه حاشية ابن التمجيد

وهذا الاثبات والايقاع استعارة تخييلية وقرينة للمكنية وفيه توجيه آخر أشير إليه في الكشاف وهو أنه شبه فرعون بالفارط الذي يتقدم القوم لطلب الماء والكلاء وشبه اتباعه بالواردة ففيه استعارة مكنية أيضا وإثبات الورود لهم تخييل واحد الوجهين مستلزم للآخر لكن طريق المصنف أولى وبالقبول أحرى ويمكن اعتبار تشبيه كل من الأمور المذكورة أعني الفارط والواردين والنار والورود بأمثالها ويمكن أن يجعل الكلام من جملة التمثيلات المؤلفة فكن في البيان على البصيرة قيل ومورد في كلام المصنف مصدر ميمي بمعنى الورود لكن قوله فسمي اتيانها موردا يقتضي أن الإيراد مستعار استعارة تبعية سوقهم إلى النار فيكون التخييل مستعملا في معنى مجازي على حد قوله : يَنْقُضُونَ عَهْدَ اللَّهِ [ البقرة : 27 ] . قوله : ( فسمي اتيانها موردا ) أي ورود أو سمي جعلهم آتين إيرادا . قوله : ( ثم قال : وَبِئْسَ الْوِرْدُ [ هود : 98 ] الآية أي بئس المورد الذي ورد فإنه يراد لتبريد الأكباد وتسكين العطش والنار بالضد ) فالورد هنا بمعنى النصيب من الماء لا المصدر بمعنى الورود وقوله الذي وردوه معنى المورود صفة للمورد بمعنى النصيب فالمخصوص بالذم محذوف وهو النار أشير إليه في الكشاف وقول القاضي والنار ضده إشارة إليه واحتمال كونه مخصوصا بالذم ضعيف إذ الظاهر أن يقال حينئذ مورودهم أو المورود الذي وردوه كما قيل بل المورود في الآية نعت للورد كما هو الظاهر لعمومه وعدم تعينه مفهوما وكون مثل هذا مخصوصا بالذم بعيد ولو أريد بالورد المصدر أي الورود يحتاج إلى تقدير مضاف أي وبئس مكان الورد الذي وردوه صيغة للسكان وقيل الورد اسم جمع بمعنى الواردين والمورود صيغة لهم بتقدير الجار والضمير الراجع إليهم والمخصوص بالذم محذوف وهو الضمير العائد إليهم والمعنى وبئس الواردين المورود بهم هم فيكون ذما للواردين لا لمحلهم ولكون هذين الوجهين يحتاج إلى التقدير فيهما خلاف المتبادر لم يتعرض المصنف لهما . قوله : ( والآية ) أي يقدم قومه . قوله : ( كالدليل على قوله وما أمر فرعون برشيد ) فتكون الجملة استئنافا معانيا كأنه قيل لم لم يكن رشيدا وفي مثل هذا التأكيد ليس بواجب غايته اتيانه حسن كقوله تعالى : إِنَّ النَّفْسَ لَأَمَّارَةٌ بِالسُّوءِ [ يوسف : 53 ] الآية . قوله : ( فإن من هذا عاقبته لم يكن في أمره رشد أو تفسير له على أن المراد بالرشد ما قوله : والآية كالدليل على قوله : وَما أَمْرُ فِرْعَوْنَ بِرَشِيدٍ [ هود : 97 ] فكأنه قيل أمر فرعون مسلوب الرشد عنه لأن عاقبته ورود النار وما كان يؤدي إلي وخاصة العاقبة لا يكون ذا رشد . قوله : على أن المراد بالرشد ما يكون مأمون العاقبة حميدها فكأنه قيل وما أمر فرعون بمحمود فالذم بقوله : وَبِئْسَ الْوِرْدُ الْمَوْرُودُ [ هود : 98 ] يصلح أن يكون تفسيرا لنفي المحمودية المدلول عليه بقوله : وَما أَمْرُ فِرْعَوْنَ بِرَشِيدٍ [ هود : 97 ] .